الخطيب الشربيني
686
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وقال أيضا « 1 » : لا هم إن المرء يم * نع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم * ومحالهم عدوا محالك جروا جموع بلادهم * والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم * جهلا وما رقبوا جلالك إن كنت تاركهم وكع * بتنا فأمر ما بدا لك ثم ترك عبد المطلب الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه فأصبح أبرهة بالمغمس قد تهيأ للدخول وهيأ جيشه وهيأ فيله ، فأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم ثم أخذ بأذنه وقال : أبرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت ، فإنك في بلد الله الحرام فبرك الفيل فبعثوه فأبى ، فضربوه بالمعول في رأسه فأبى فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام مهرولا ، فوجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك فضربوه إلى الحرم فبرك وأبى أن يقوم وخرج عبد المطلب يشتدّ حتى صعد الجبل فأرسل الله تعالى عليهم ما قصه في قوله سبحانه : أَ لَمْ يَجْعَلْ أي : جعل بما له من الإحسان إلى العرب لا سيما قريش كَيْدَهُمْ أي : في هدم الكعبة فِي تَضْلِيلٍ أي : خسارة وهلاك . وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ أي : خاصة من بين ما هناك من كفار العرب طَيْراً أي : طيورا سوداء ، وقيل : خضراء وقيل : بيضاء أَبابِيلَ أي : جماعات بكثرة متفرّقة يتبع بعضها بعضا من نواحي شتى فوجا فوجا وزمرة أمام كل فرقة منها طائر يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق . وقيل : أبابيل كالإبل المؤبلة . قال الفراء : لا واحد لها من لفظها ، وقيل : واحدها إبالة . وقال الكسائي : كنت أسمع النحويين يقولون : واحدها أبول كعجول وعجاجيل . وقال ابن عباس : كانت طيرا لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب . وقال عكرمة لها رؤوس كرؤوس السباع . وقال سعيد بن جبير : خضر لها مناقير صفر وقال قتادة : طير سود . تَرْمِيهِمْ أي : الطير بِحِجارَةٍ أي : عظيمة في الكثرة والفعل ، صغيرة في المقدار والحجم مع كل طائر حجر في منقاره ، وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة . وعن ابن عباس أنه رأى منها عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بالحمرة كالجزع الظفاري ، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره ، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه ففرّوا فهلكوا في كل طريق ومنهل وأمّا أبرهة فتساقطت أنامله كلها كلما سقطت أنملة اتبعها مدّة وقيح ودم ، فانتهى إلى صنعاء وهو مثل فرخ الطير ، وما مات حتى انصدع صدره من قلبه ، وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة فلما أتمها وقع عليه الحجر فخرّ ميتا بين يديه لأن تلك الحجارة كانت مِنْ سِجِّيلٍ أي : طين متحجر مصنوع للعذاب في موضع هو في غاية العلو ولما تسبب عن هذا الرمي هلاكهم ، وكان ذلك بفعل الله تعالى لأنه الذي خلق الأثر قطعا ،
--> ( 1 ) الأبيات من مجزوء الكامل ، وهي لعبد المطلب بن هاشم في لسان العرب ( محل ) ، ( غدا ) ، ( حلل ) .